السيد كمال الحيدري

47

العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد

هذه الرواية المباركة تثبت أنّ معرفة الله حاصلة لكلّ مخلوق يدرك شيئاً ما من الأشياء ، وتثبت أنّ هذه المعرفة غير المعرفة الفكريّة التي تحصل عن طريق الأدلّة والآيات ، وأنّ القصر على المعرفة الاستدلاليّة لا يخلو عن جهل بالله وشرك خفىّ . بيان ذلك ، بما تعطيه الرواية من المقدّمات : أنّ المعرفة المتعلّقة بشئ إنّما هي إدراكه ، فما وقع في ظرف الإدراك فهو الذي تتعلّق به المعرفة حقيقة لا غيره ، فلو فرضنا أنّا عرفنا شيئاً من الأشياء بشئ آخر هو واسطة في معرفته ، فالذي تعلّق به إدراكنا هو الوسط دون الطرف الذي هو ذو وسط ، فلو كانت المعرفة بالوسط مع ذلك معرفة بذى الوسط ، كان لازمه أن يكون ذلك الوسط بوجه هو ذا الوسط ، حتّى تكون المعرفة بأحدهما هي بعينها معرفة الآخر ، فهو هو بوجه وليس هو بوجه ، فيكون واسطة رابطة بين الشيئين . فزيد الخارجي الذي نتصوّره في ذهننا ، هو زيد بعينه ، ولو كان غيره لم نكن تصوّرناه بل تصوّرنا غيره ، وعادت عند ذلك علومنا جهالات . وإذ كان لا واسطة بين الخالق والمخلوق ، ليكون رابطة بينهما ، فلا يمكن معرفته بشئ آخر غير نفسه ، فلو عرف بشئ كان ذلك الشئ هو نفسه بعينه ، وإن لم يعرف بنفسه لم يعرف بشئ آخر أبداً .